النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1
    :: متخصص ::
    الكنية
    أبو فراس
    الجنس
    ذكر
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    8,583
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    فقه

    عدد الترشيحات : 63
    عدد المواضيع المرشحة : 35
    رشح عدد مرات الفوز : 15

    افتراضي [أغلوطات المسائل]

    أغلوطات المسائل


    تمهيد:
    موقف ابن رجب رحمه الله من أغلوطات المسائل:
    لابن رجب رحمه الله عناية بالغة بـ "أغلوطات المسائل"، ويظهر هذا للمتتبع لكلامه، وقد تجلى ذلك بشكل واضح في بحثه للمسألة بإسهاب في شرحه للأربعين النووية.

    يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه الجليل والموعب بالفوائد والنصائح "جامع العلوم والحكم":
    ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبلَ وقوعها ، ولا يُجيبون عن ذلك:
    قال عمرو بن مُرة:
    خرج عمرُ على الناس ، فقال : أُحرِّجُ عليكم أنْ تسألونا عن ما لم يكن ، فإنَّ لنا فيما كان شغلاً.
    وقد روى الصنابحيُّ:
    عنْ معاوية، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( أنَّهُ نهى عنِ الأغلوطات) خرَّجهُ الإمامُ أحمد رحمه الله.
    ثم نقل ابن رجب رحمه الله تفسير بعض أهل العلم لـ "الأغلوطات" فقال:
    وفسرهُ الأوزاعيُّ وقالَ :
    هي شدادُ المسائل.
    وقال عيسى بنُ يونسَ :
    هي ما لا يحتاجُ إليهِ منْ كيف وكيف.
    ثم نقل ابن رجب رحمه الله حديثا ذكر فيه طريقة المشتغلين بالأغلوطات:
    ويروى من حديثِ ثوبان:
    عنِ النَّبيِّ- صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ( سيكونُ أقوامٌ منْ أمتي يُغَلِّطونَ فقهاءهم بعضلِ المسائلِ ، أولئكَ شرارُ أمتي ).
    وقالَ الحسنُ :
    شرارُ عبادِ اللهِ الذينَ يتبعونَ شرارَ المسائلَ يَغُمُّون بها عبادَ اللهِ.
    وقالَ الأوزاعيُّ :
    إنَّ اللهَ إذا أرادَ أنْ يَحرُمَ عبدَهُ بركةَ العلمِ ألقى على لسانهِ المغاليط ، فلقدْ رأيتهم أقلَّ النَّاسِ علماً.
    وقالَ ابنُ وهبٍ ، عنْ مالكٍ:
    أدركتُ هذه البلدة وإنَّهم ليكرهون الإكثارَ الذي فيهِ النَّاس اليومَ : يريدُ المسائلَ .
    وقالَ أيضاً :
    سمعتُ مالكاً وهو يعيبُ كثرةَ الكلامِ وكثرةَ الفتيا ، ثُمَّ قالَ : يتكلمُ كأنَّهُ جملٌ مغتلمٌ ، يقولُ: هوَ كذا هوَ كذا يهدرُ في كلامهِ.
    وقال: سمعتُ مالكاً يكره الجوابَ في كثرة المسائل، وقال:
    قال الله - عز وجل -: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } فلم يأته في ذلك جواب .
    ثم قال ابن رجب رحمه الله جامعاً أطراف كلام أهل العلم في المسألة:
    وقد انقسم الناسُ في هذا الباب أقساماً :
    1- فمن أتباع أهلِ الحديث: مَنْ سدَّ بابَ المسائل حتَّى قلَّ فقهه وعلمُه بحدود ما أنزل الله على رسوله ، وصار حامِلَ فقه غير فقيه.
    2- ومن فقهاء أهل الرأي: مَن توسَّع في توليدِ المسائل قبلَ وقوعها ، ما يقع في العادة منها وما لا يقع ، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجواب عنْ ذلك ، وكثرة الخصومات فيه ، والجدال عليه حتَّى يتولدَ مِنْ ذلك افتراقُ القلوب ، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة، وطلب العلوِّ والمباهاة ، وصرف وجوه الناس وهذا ممَّا ذمه العلماءُ الربانيون ، ودلَّتِ السُّنَّةُ على قبحه وتحريمه .
    3- وأما فقهاء أهل الحديث العامِلُون به: فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني كتاب الله - عز وجل - ، وما يُفسِّرُهُ من السنن الصحيحة ، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان، وعن سُنَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعرفة صحيحها وسقيمِها ، ثم التفقه فيها وتفهمها ، والوقوف على معانيها ، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ، ومسائل الحلال والحرام ، وأصول السُّنة والزهد والرقائق وغيرِ ذلك.
    وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومَنْ وافقه من علماء الحديث الرَّبّانيين.
    وفي معرفة هذا شغلٌ شاغلٌ عن التَّشاغُل بما أحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به ، ولا يقع ، وإنَّما يُورثُ التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرة القيل والقال .
    وكان الإمام أحمد كثيراً إذا سُئِلَ عن شيء من المسائل المولدات التي لا تقع يقول:
    دعونا منْ هذه المسائل المحدثة .
    وما أحسن ما قاله يونسُ بنُ سليمان السَّقَطِيُّ :
    نظرتُ في الأمرِ ، فإذا هو الحديث والرأي:
    1- فوجدتُ في الحديث: ذكرَ الرب - عز وجل - وربوبيتَه وإجلاله وعظمته ، وذكرَ العرش وصفة الجنة والنار ، وذكرَ النبيين والمرسلين ، والحلال والحرام ، والحثَّ على صلة الأرحام ، وجماع الخير فيه.
    2- ونظرت في الرأي: فإذا فيه المكرُ ، والغدرُ ، والحيلُ ، وقطيعة الأرحام ، وجماع الشَّرِّ فيه .
    وقال أحمد بن شبويه :
    من أراد علمَ القبرِ فعليه بالآثار ، ومن أراد علم الخُبْزِ ، فعليه بالرأي .
    ثم يقول ابن رجب رحمه الله معلِّقا على كلام أهل العلم في هذه المسألة:
    ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه ، تمكَّن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالباً؛ لأنَّ أصولها تُوجد في تلك الأصول المشار إليها
    ولابدَّ أنْ يكون سلوكُ هذا الطريق خلف أئمة أهل الدين المجمَعِ على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد ومن سلك مسلكَهم ، فإنَّ مَنِ ادعى سلوكَ هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوزَ ومهالك ، وأخذ بما لا يجوز الأخذُ به ، وترك ما يجب العملُ به.
    ويشهد لهذا :
    قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( أتاكم أهلُ اليمن ، هُمْ أبرُّ قلوباً ، وأرقُّ أفئدةً . الإيمان يمانٍ ، والفِقه يمانٍ ، والحكمة يمانيةٌ ).
    وهذا إشارة منه:
    إلى أبي موسى الأشعري ، ومن كان على طريقهِ من عُلَماء أهلِ اليمن ، ثمَّ إلى مثل أبي مسلم الخولاني ، وأويس القَرَنيِّ ، وطاووس ، ووهب بن منبه ، وغيرهم من عُلماء أهل اليمن ، وكلُّ هؤلاء مِنَ العلماء الربانيين الخائفين لله ، فكلهم علماءُ بالله يخشونه ويخافونه ، وبعضُهم أوسعُ علماً بأحكام الله وشرائع دينه من بعض
    ولم يكن تميُّزهم عن الناس بكثرة قيلٍ وقالٍ ، ولا بحثٍ ولا جدالٍ .
    وكذلك معاذُ بنُ جبل - رضي الله عنه - أعلم الناس بالحلال والحرام ، وهو الذي يحشر يومَ القيامة أمام العلماء برتوة
    ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها ، بل قد سبق عنه كراهةُ الكلام فيما لا يقع ، وإنما كان عالماً بالله وعالماً بأصول دينه .
    وقد قيل للإمام أحمد :
    مَنْ نسألُ بعدَك ؟
    قال : عبد الوهَّاب الورَّاق
    قيل له : إنَّه ليس له اتَّساعٌ في العلم!
    قال : إنَّه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لإصابة الحق .
    وسئل عن معروف الكرخي:
    فقال : كان معه أصلُ العلم : خشية الله .
    وهذا يرجعُ إلى قولِ بعض السَّلف :
    كفى بخشية الله علماً ، وكفى بالاغترار بالله جهلاً .
    وهذا بابٌ واسع يطول استقصاؤه .
    ثم ختم ابن رجب رحمه الله كلامه في هذه المسألة ملخصا موطن الشاهد منها في شرح الحديث:
    ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فنقول :
    مَنْ لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا يوجدُ مثلُها في كتاب ، ولا سنة ، بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله ، وقصدُه بذلك امتثالُ الأوامر ، واجتنابُ النواهي ، فهو ممَّنِ امتثلَ أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، وعَمِلَ بمقتضاه ، ومن لم يكن اهتمامُه بفهم ما أنزل الله على رسوله ، واشتغل بكثرةِ توليدِ المسائل قد تقع وقد لا تقع ، وتكلَّفَ أجوبتها بمجرَّد الرأي ، خُشِيَ عليه أنْ يكونَ مخالفاً لهذا الحديث ، مرتكباً لنهيه ، تاركاً لأمره .
    وأخيراً نبه ابن رجب رحمه الله إلى نكتة هذه المسألة فقال رحمه الله:
    واعلم:
    أنَّ كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنَّما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله ، واجتنابِ نواهي الله ورسوله ، فلو أنَّ من أرادَ أنْ يعمل عملاً سأل عمَّا شرع الله في ذلك العمل فامتثله ، وعما نهى عنه فاجتنبه ، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة .
    وإنَّما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه ، فتقع الحوادثُ عامَّتُها مخالفةً لما شرعه الله وربما عسر ردُّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة ؛ لبعدها عنها .
    مجلة دارس العدد (3): وعن النسخة الورقية يتساءلون!
    يا ابنَ الوليـدِ.. ألا سيـفٌ تؤجّرهُ؟ فكلُّ أسيافنا قد أصبحـت خشـبا! دمشـقُ، يا كنزَ أحلامي ومروحتي أشكو العروبةَ أم أشكو لكِ العربا
    ما لنا غيرك "يا الله"
    تويتر: fhashmy@

    من مواضيع فؤاد بن يحيى الهاشمي :


  2. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ فؤاد بن يحيى الهاشمي على هذه المشاركة:


  3. #2
    :: المشرف العام ::
    الكنية
    أبو أسامة
    الجنس
    ذكر
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    5,883
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جـــدة
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    فقـــه

    عدد الترشيحات : 40
    عدد المواضيع المرشحة : 24
    رشح عدد مرات الفوز : 10

    افتراضي

    أنار الله قلبك أخي أبا فراس
    وشرح صدرك
    وزادك من واسع فضله

  4. #3
    :: المشرف العام ::
    الكنية
    أبو أسامة
    الجنس
    ذكر
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    5,883
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جـــدة
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    فقـــه

    عدد الترشيحات : 40
    عدد المواضيع المرشحة : 24
    رشح عدد مرات الفوز : 10

    افتراضي

    أنار الله قلبك أخي أبا فراس
    وشرح صدرك
    وزادك من واسع فضله

  5. #4
    :: متـابـــع ::
    الجنس
    ذكر
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    58
    الدولة
    مصر
    المدينة
    جيزة
    المؤهل
    منهجية ماجستير
    التخصص
    الفقه العام

    عدد الترشيحات : 0
    عدد المواضيع المرشحة : 0
    عدد مرات الفوز : 0

    افتراضي

    أنار الله قلبك أخي أبا فراس
    وشرح صدرك
    وزادك من واسع فضله

  6. #5
    :: متخصص ::
    الجنس
    ذكر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    1,782
    الدولة
    المغرب
    المدينة
    --
    المؤهل
    معد لرسالة الماجستير
    التخصص
    أصول الفقه

    عدد الترشيحات : 4
    عدد المواضيع المرشحة : 3
    عدد مرات الفوز : 0

    افتراضي

    برأيكم : ما سبب اهتمام ابن رجب بالأغلوطات ، فإنني لاحظت ذلك أيضا؟

    أعتقد أن السبب في ذلك = عنايته الشديدة بفقه السلف وآثارهم...

    أليس كذلك؟
    لَا تَظلمُوا الموتَى وَإنْ طَال المدَى *** إنِّي أخَـافُ عَليكُم أَن تَلتَـقُوا
    شيخ المعرة

    من مواضيع عبد الرحمن بن عمر آل زعتري :


  7. #6
    :: مخضرم ::
    الكنية
    أم أنس
    الجنس
    أنثى
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    1,673
    الدولة
    لبنان
    المدينة
    طرابلس
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    الدراسات الشرعية

    عدد الترشيحات : 0
    عدد المواضيع المرشحة : 0
    عدد مرات الفوز : 0

    افتراضي رد: [أغلوطات المسائل]

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فؤاد بن يحيى الهاشمي مشاهدة المشاركة
    أغلوطات المسائل



    تمهيد:
    موقف ابن رجب رحمه الله من أغلوطات المسائل:
    لابن رجب رحمه الله عناية بالغة بـ "أغلوطات المسائل"، ويظهر هذا للمتتبع لكلامه، وقد تجلى ذلك بشكل واضح في بحثه للمسألة بإسهاب في شرحه للأربعين النووية.

    يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه الجليل والموعب بالفوائد والنصائح "جامع العلوم والحكم":
    ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبلَ وقوعها ، ولا يُجيبون عن ذلك:
    قال عمرو بن مُرة:
    خرج عمرُ على الناس ، فقال : أُحرِّجُ عليكم أنْ تسألونا عن ما لم يكن ، فإنَّ لنا فيما كان شغلاً.
    وقد روى الصنابحيُّ:
    عنْ معاوية، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( أنَّهُ نهى عنِ الأغلوطات) خرَّجهُ الإمامُ أحمد رحمه الله.
    ثم نقل ابن رجب رحمه الله تفسير بعض أهل العلم لـ "الأغلوطات" فقال:
    وفسرهُ الأوزاعيُّ وقالَ :
    هي شدادُ المسائل.
    وقال عيسى بنُ يونسَ :
    هي ما لا يحتاجُ إليهِ منْ كيف وكيف.
    ثم نقل ابن رجب رحمه الله حديثا ذكر فيه طريقة المشتغلين بالأغلوطات:
    ويروى من حديثِ ثوبان:
    عنِ النَّبيِّ- صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ( سيكونُ أقوامٌ منْ أمتي يُغَلِّطونَ فقهاءهم بعضلِ المسائلِ ، أولئكَ شرارُ أمتي ).
    وقالَ الحسنُ :
    شرارُ عبادِ اللهِ الذينَ يتبعونَ شرارَ المسائلَ يَغُمُّون بها عبادَ اللهِ.
    وقالَ الأوزاعيُّ :
    إنَّ اللهَ إذا أرادَ أنْ يَحرُمَ عبدَهُ بركةَ العلمِ ألقى على لسانهِ المغاليط ، فلقدْ رأيتهم أقلَّ النَّاسِ علماً.
    وقالَ ابنُ وهبٍ ، عنْ مالكٍ:
    أدركتُ هذه البلدة وإنَّهم ليكرهون الإكثارَ الذي فيهِ النَّاس اليومَ : يريدُ المسائلَ .
    وقالَ أيضاً :
    سمعتُ مالكاً وهو يعيبُ كثرةَ الكلامِ وكثرةَ الفتيا ، ثُمَّ قالَ : يتكلمُ كأنَّهُ جملٌ مغتلمٌ ، يقولُ: هوَ كذا هوَ كذا يهدرُ في كلامهِ.
    وقال: سمعتُ مالكاً يكره الجوابَ في كثرة المسائل، وقال:
    قال الله - عز وجل -: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } فلم يأته في ذلك جواب .
    ثم قال ابن رجب رحمه الله جامعاً أطراف كلام أهل العلم في المسألة:
    وقد انقسم الناسُ في هذا الباب أقساماً :
    1- فمن أتباع أهلِ الحديث: مَنْ سدَّ بابَ المسائل حتَّى قلَّ فقهه وعلمُه بحدود ما أنزل الله على رسوله ، وصار حامِلَ فقه غير فقيه.
    2- ومن فقهاء أهل الرأي: مَن توسَّع في توليدِ المسائل قبلَ وقوعها ، ما يقع في العادة منها وما لا يقع ، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجواب عنْ ذلك ، وكثرة الخصومات فيه ، والجدال عليه حتَّى يتولدَ مِنْ ذلك افتراقُ القلوب ، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة، وطلب العلوِّ والمباهاة ، وصرف وجوه الناس وهذا ممَّا ذمه العلماءُ الربانيون ، ودلَّتِ السُّنَّةُ على قبحه وتحريمه .
    3- وأما فقهاء أهل الحديث العامِلُون به: فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني كتاب الله - عز وجل - ، وما يُفسِّرُهُ من السنن الصحيحة ، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان، وعن سُنَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعرفة صحيحها وسقيمِها ، ثم التفقه فيها وتفهمها ، والوقوف على معانيها ، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ، ومسائل الحلال والحرام ، وأصول السُّنة والزهد والرقائق وغيرِ ذلك.
    وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومَنْ وافقه من علماء الحديث الرَّبّانيين.
    وفي معرفة هذا شغلٌ شاغلٌ عن التَّشاغُل بما أحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به ، ولا يقع ، وإنَّما يُورثُ التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرة القيل والقال .
    وكان الإمام أحمد كثيراً إذا سُئِلَ عن شيء من المسائل المولدات التي لا تقع يقول:
    دعونا منْ هذه المسائل المحدثة .
    وما أحسن ما قاله يونسُ بنُ سليمان السَّقَطِيُّ :
    نظرتُ في الأمرِ ، فإذا هو الحديث والرأي:
    1- فوجدتُ في الحديث: ذكرَ الرب - عز وجل - وربوبيتَه وإجلاله وعظمته ، وذكرَ العرش وصفة الجنة والنار ، وذكرَ النبيين والمرسلين ، والحلال والحرام ، والحثَّ على صلة الأرحام ، وجماع الخير فيه.
    2- ونظرت في الرأي: فإذا فيه المكرُ ، والغدرُ ، والحيلُ ، وقطيعة الأرحام ، وجماع الشَّرِّ فيه .
    وقال أحمد بن شبويه :
    من أراد علمَ القبرِ فعليه بالآثار ، ومن أراد علم الخُبْزِ ، فعليه بالرأي .
    ثم يقول ابن رجب رحمه الله معلِّقا على كلام أهل العلم في هذه المسألة:
    ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه ، تمكَّن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالباً؛ لأنَّ أصولها تُوجد في تلك الأصول المشار إليها
    ولابدَّ أنْ يكون سلوكُ هذا الطريق خلف أئمة أهل الدين المجمَعِ على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد ومن سلك مسلكَهم ، فإنَّ مَنِ ادعى سلوكَ هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوزَ ومهالك ، وأخذ بما لا يجوز الأخذُ به ، وترك ما يجب العملُ به.
    ويشهد لهذا :
    قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( أتاكم أهلُ اليمن ، هُمْ أبرُّ قلوباً ، وأرقُّ أفئدةً . الإيمان يمانٍ ، والفِقه يمانٍ ، والحكمة يمانيةٌ ).
    وهذا إشارة منه:
    إلى أبي موسى الأشعري ، ومن كان على طريقهِ من عُلَماء أهلِ اليمن ، ثمَّ إلى مثل أبي مسلم الخولاني ، وأويس القَرَنيِّ ، وطاووس ، ووهب بن منبه ، وغيرهم من عُلماء أهل اليمن ، وكلُّ هؤلاء مِنَ العلماء الربانيين الخائفين لله ، فكلهم علماءُ بالله يخشونه ويخافونه ، وبعضُهم أوسعُ علماً بأحكام الله وشرائع دينه من بعض
    ولم يكن تميُّزهم عن الناس بكثرة قيلٍ وقالٍ ، ولا بحثٍ ولا جدالٍ .
    وكذلك معاذُ بنُ جبل - رضي الله عنه - أعلم الناس بالحلال والحرام ، وهو الذي يحشر يومَ القيامة أمام العلماء برتوة
    ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها ، بل قد سبق عنه كراهةُ الكلام فيما لا يقع ، وإنما كان عالماً بالله وعالماً بأصول دينه .
    وقد قيل للإمام أحمد :
    مَنْ نسألُ بعدَك ؟
    قال : عبد الوهَّاب الورَّاق
    قيل له : إنَّه ليس له اتَّساعٌ في العلم!
    قال : إنَّه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لإصابة الحق .
    وسئل عن معروف الكرخي:
    فقال : كان معه أصلُ العلم : خشية الله .
    وهذا يرجعُ إلى قولِ بعض السَّلف :
    كفى بخشية الله علماً ، وكفى بالاغترار بالله جهلاً .
    وهذا بابٌ واسع يطول استقصاؤه .
    ثم ختم ابن رجب رحمه الله كلامه في هذه المسألة ملخصا موطن الشاهد منها في شرح الحديث:
    ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فنقول :
    مَنْ لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا يوجدُ مثلُها في كتاب ، ولا سنة ، بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله ، وقصدُه بذلك امتثالُ الأوامر ، واجتنابُ النواهي ، فهو ممَّنِ امتثلَ أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، وعَمِلَ بمقتضاه ، ومن لم يكن اهتمامُه بفهم ما أنزل الله على رسوله ، واشتغل بكثرةِ توليدِ المسائل قد تقع وقد لا تقع ، وتكلَّفَ أجوبتها بمجرَّد الرأي ، خُشِيَ عليه أنْ يكونَ مخالفاً لهذا الحديث ، مرتكباً لنهيه ، تاركاً لأمره .
    وأخيراً نبه ابن رجب رحمه الله إلى نكتة هذه المسألة فقال رحمه الله:
    واعلم:
    أنَّ كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنَّما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله ، واجتنابِ نواهي الله ورسوله ، فلو أنَّ من أرادَ أنْ يعمل عملاً سأل عمَّا شرع الله في ذلك العمل فامتثله ، وعما نهى عنه فاجتنبه ، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة .
    وإنَّما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه ، فتقع الحوادثُ عامَّتُها مخالفةً لما شرعه الله وربما عسر ردُّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة ؛ لبعدها عنها .
    جزاكم الله خيراً حضرة المشرف الفاضل
    هذا المقال ضربة قوية لنا معشر الحنفية!!

  8. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ بشرى عمر الغوراني على هذه المشاركة:


  9. #7
    :: متـابـــع ::
    الكنية
    أبو دجانة
    الجنس
    ذكر
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    25
    الدولة
    فلسطين
    المدينة
    غزة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    تربية إسلامية

    عدد الترشيحات : 0
    عدد المواضيع المرشحة : 0
    عدد مرات الفوز : 0

    افتراضي رد: [أغلوطات المسائل]

    جزاك الله خيرًا.
    ورحم الله الإمام ابن رجب، ورحم الله أهل الحديث وأهل الرأي.
    خلال قراءتي للنقل؛ جال في خاطري هذا السؤال: ما موقف الحنفية وأهل مدرسة الرأي من هذا؟
    نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يهدينا إلى الحق بإذنه.

    من مواضيع مجاهد بن محمد بن عطا الله :


  10. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ مجاهد بن محمد بن عطا الله على هذه المشاركة:


  11. #8
    :: متـابـــع ::
    الكنية
    أم رقية السنية
    الجنس
    أنثى
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    17
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    قسنطينة
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    فقه وأصوله

    عدد الترشيحات : 0
    عدد المواضيع المرشحة : 0
    عدد مرات الفوز : 0

    افتراضي رد: [أغلوطات المسائل]

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مجاهد بن محمد بن عطا الله مشاهدة المشاركة
    جزاك الله خيرًا.
    ورحم الله الإمام ابن رجب، ورحم الله أهل الحديث وأهل الرأي.
    خلال قراءتي للنقل؛ جال في خاطري هذا السؤال: ما موقف الحنفية وأهل مدرسة الرأي من هذا؟
    نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يهدينا إلى الحق بإذنه.
    بارك الله فيكم ونفع بعلمكم
    لدي نفس السؤال الذي ذكره الأخ
    ما هو موقف الأحناف في مثل هذه المسائل؟

  12. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ أم رقية على هذه المشاركة:


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. كيف يكون تصوير المسائل؟؟؟؟؟
    بواسطة مجتهدة في الملتقى ملتقى القواعد والضوابط الفقهية
    مشاركات: 33
    مشاركة: 10-08-05 ||, 09:58 AM
  2. مشكلات المسائل عند المالكية
    بواسطة فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى المذهب المالكي
    مشاركات: 2
    مشاركة: 10-06-11 ||, 11:08 PM
  3. مشكلات المسائل!
    بواسطة فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى الملتقى الفقهي العام
    مشاركات: 2
    مشاركة: 10-06-10 ||, 06:44 AM
  4. مشكلات المسائل عند الشافعية!
    بواسطة فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى المذهب الشافعي
    مشاركات: 0
    مشاركة: 10-06-09 ||, 10:19 PM
  5. تنبيه حول المسائل الشائكة
    بواسطة فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى آداب الجدل وقوانين النظر
    مشاركات: 0
    مشاركة: 09-03-11 ||, 03:03 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط .
وكل عضو نَكِل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران:98]