خواطر حول المنظومات الفقهية والمنهج الظاهري



بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

1-مما هو معلوم أن أهل الظاهر لم يعتنوا بتأليف المنظومات المذهبية ولا كانت لهم مصطلحات خاصة كالحال مع المذاهب الأخرى في عصر الإنحطاط الفقهي...
2-ولايرجع السبب في ذلك إلى خمول هذا المنهج أبدا لأنه كان قد استمر إلى القرن السادس وكان منتشرا بقوة في المغرب زمن ابن حزم وقاسم بن أصبغ كما كان منتشرا بقوة في الشرق زمن ابن المغلس وأبي بكر بن داود, فلو كان لأهل هذا المنهج رغبة في المنظومات والمختصرات لألفوها زمن ظهورهم .
3-فإن قيل : إن ذاك العصر كان عصر ازدهار فقهي فلم تكن فلسفة المختصرات رائجة ولا فكرة المنظومات حاضرة قلنا : فلهذا السبب لا منظومات ولا مختصرات عند أهل الظاهر.
4-بيان ذلك أن المنهج الظاهري منهج قائم على الإستقلال الفردي في عملية التفكير فلا وصاية لأحد على أحد وكل يؤخذ من كلامه ويرد , ولذلك فهو منهج لا ينشط إلا زمن الحيوية الفكرية في القرون المفضلة أولا ثم زمن القاضي أبي يعلى والإمام ابن حزم والإمام ابن العربي والإمام الباجي وابن عبد البر...
5- وإن التاريخ ليشهد بصحة ما ادعيت فإنك لاتكاد تجد ظاهريا إلا وله حروب مع غيره من الظاهرية ولم يعتبر أحد منهم يوما أن هذا الرجل من أبناء مذهبي لأنهم يعتقدون أن هذا هو ما ترك عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأوصى أمته باتباعه , وخذ على سبيل المثال الإمام ابن أبي عاصم النبيل والإمام داود رغم أنهما ينتميان لنفس المدرسة لكن كانت بينهما خصومة تثير الريبة في ظاهرية أحدهما!! ثم خذ أبا الحسن الكرجي القصاب يقذع في داود في كتابه نكت القرآن مع أنهما من أهل الظاهر ثم خذ ابن حزم وأبي حيان الأندلسي ...
6- وإن هذه المنظومات لتميت جمالية الفقه كما أشار إلى ذلك العلامة الخضري رحمه الله لأنها تهيئ الجو المناسب لشيوع التقليد باعتباره ملجئا لكل كسول من الناحية التفكيرية وهذا مالا يتناسب إطلاقا مع طبيعة المنهج الظاهري الذي جعل من قوله تعالى :"إن الحكم إلا لله" .
8- على أنه يتهيأ لي أن المنظومات ليست خلوا من منافع – والواجب الإنصاف- فهي توفر الأساس الفقهي الراسخ في ذهن الطالب ولا تجعله يحصل : أشتاتا من المعلومات فلو درس هذه المنظومات ثم تحرر منها لكان من خيار أهل زمانه وانظر إلى الإمام الشوكاني وصالح بن مهدي المقبلي والعلامة الصنعاني والشيخ أحمد الغماري بل وابن حزم وأبي حيان كلهم درسوا الفقه انطلاقا من مذهب معين فلما ضبطوه وفهموه انتقلوا إلى غيره ثم إلى الإجتهاد المتحرر من كل قيد .
9- وأظن أن هذه هي دعوة أهل الظاهر أو على الأقل ما ينبغي أن تكون عليه فالتسيب مذموم والتنظيم مطلوب وفتح باب الإجتهاد يؤدي إلى من منكر من القول ولذلك قال الإمام الألباني رحمه الله : التقليد المنضبط خير من الإجتهاد الأهوج" قال ذلك ناقدا دعوات التميع بدعوى الإجتهاد و"إعادة قراءة التراث".
10- فالمعيب هو جعلها غاية لا وسيلة وكم رأيت هنا في المغرب من حفظة المالكية و"أدمغتهم" يحفظون ما شاء الله من المنظومات والمتون والغرائب فإذا حققت معه النظر وطالبه بأصل الخلاف أو دليل المسألة أو توجيه أهل العلم للدليل غص بريقه وانقطع ...