مقدمة كتاب: "نظرية التخريج في الفقه الإسلامي"
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )
[التوبة: 123]. والصلاة والسلام على رسول الله، القائل: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
وبعد: فموضوع هذا البحث هو: نظرية التخريج في الفقه الإسلامي.
والتخريج كما يتضح من قراءة صفحات هذا البحث؛ هو اجتهاد المجتهد في بيان حكم النازلة، أو ما لا نص فيه، على مذهب إمام من الأئمة.
إن المصنفات التي كتبت في موضوع التخريج؛ لم تعن سوى ببيان ارتباط الفروع بأصولها؛ أو اثر الاختلاف في القاعدة في الفروع، دون العناية بإعطاء فكرة عن ماهية التخريج، وأحكامه، وشروطه، والكيفية التي سلكها المخرّجون في تخريج الفروع على أصولها...الخ. مما هو مسطر في سطور هذه الرسالة، فكان هذا أول الدوافع التي أثرت لأجلها البحث في هذا الموضوع، ثم صحّ العزم على ذلك بعد أن استشرت أستاذي المشرف حفظه الله فوافق على ذلك مشكورا. وكانت كلمات بعض العلماء في أهمية الموضوع ودقته، حافزا آخر شجعني على خوض غمار هذا الموضوع [1 ]وقد ازدادت قناعتي بصحة البحث فيه؛ لمّا رأيت قلة من كتب فيه.
و«التخريج الفقهي» موضوع مهم، جليل القدر، فهو يجمع بين الفروع والأصول، ويبيّن كيفية ارتباط الأحكام بأصولها، كما يكشف عن المناهج التي اعتمدها أتباع المذاهب في التفريع؛ ومسايرة مستجدات الحياة، كل في حدود المذهب الذي اتبعه، كما يجيب عن جملة من الأسئلة في حقيقة التمذهب، وقواعد الاستنباط المنسوبة إلى الأئمة.
كما أن دراسته والتعمق فيه، وسيلة لفهم مدارك المجتهدين، وترسم خطى الاجتهاد المطلق المنشود.
والوقوف على حقيقته مدخل مهم، للتعامل مع كتب الفروع، في المذاهب الفقهية المختلفة، للتمييز بين الفرع المنصوص والمخرّج.
وهو بعد هذا كله يجمع بين علوم شتى، فالباحث والناظر فيه يتقلب بين الفروع مرة، وقواعد الفقه تارة، ومباحث علم الأصول والعربية وغيرها تارة أخرى.
وقد جاءت مباحث هذه الرسالة مقسمة على مدخل تمهيدي، وبابين، وخاتمة.
تناولت في المدخل التمهيدي كيفية ظهور "فقه التخريج"، وأسبابه، وشرحت مصطلح "المذهب" لصلته الوثيقة بالتخريج وارتباطه به، كما بيّنت الجهود السابقة على هذا البحث وقارنتها بما جاء فيه.
وخصصت الباب الأول لبحث مفهوم التخريج الفقهي ومصادره فجاء تحته فصلان:
الأول: مفهوم التخريج الفقهي- أحكامه وشروطه. حاولت فيه أن أحقق القول في مدلول "التخريج الفقهي" في اللغة والاصطلاح، ثم انتقلت لبيان أنواع التخريج، فاتضح أنّها أنواع ثلاثة:
تخريج لأصل من فرع، أو لفرع من أصل، أو لفرع من فرع، ولما كانت آراء العلماء مختلفة حول هذا اللون من الاجتهاد، فقد حاولت أن أحقق القول في الحكم الشرعي للتخريج والإفتاء به، ووقفت بعدها عند مسألة مهمة ثار حولها الجدل كثيرا؛ وهي مسألة نسبة القول المخرّج إلى المذهب.
ولمّا كان مدلول التخريج الفقهي متوقفا على معرفة القائم به، أردفت المباحث السابقة بمبحث آخر، بيّنت فيه صفة المخرّج وشروطه، ومرتبته في طبقات الفقهاء.
وخصصت الفصل الثاني لبحث المصادر التي يردها المخرّج في تخريجه، وهو فصل مهم من فصول هذه الرسالة، أعان على زيادة فهم لحقيقة التخريج الفقهي. وقد بحثت فيه المصادر التالية: - نصوص المذاهب وما يلحق بها من فعل المجتهد وتقريره- وقواعد الفقه والأصول- وقواعد العربية، وحاولت أن أبيّن في كل واحد من هذه المباحث مصدريته في التخريج وأثره فيه مع مناقشة الآراء في ما كان مختلفا فيه، في أخذ مذهب المجتهد منه.
أما الباب الثاني: فقد عقدته لبيان الطرق التي سلكها المخرّجون في تخريجاتهم، فبحثت في القياس، والنقل، والمفهوم بنوعيه- الموافق والمخالف-، ولازم المذهب، والتخريج بأصول المذهب، وجعلت العرف نموذجا لهذه الأصول ثم بحثت في التخريج بنصوص المجتهد.
وقد حاولت في كل طريق من هذه الطرق التي وقفت عليها، أن أعرّف به وأبيّن رأي العلماء في أخذ مذهب المجتهد، بواسطته، ثم أذكر ما أراه راجحا إن وجد في ذلك الطريق خلاف، وختمت البحث في كل طريق بطائفة من الفروع يتضح بها منهج التخريج، فجاءت فصول هذا الباب جامعة بين النظرية والتطبيق.
ثم ختمت البحث بخلاصة جمعت أهمّ النتائج التي توصلت إليها، من خلال رحلتي مع هذه الدراسة.
وقد كان لأستاذي المشرف الدكتور محمد الروكي- حفظه الله- الأيادي البيضاء والفضل الكبير في تسديد هذا البحث وتقويمه، حتى استوى على ما هو عليه؛ فله منّي جزيل الشكر والثناء، أمدّ الله في عمره ونفعنا بعلمه.
وفي الأخير، أسأل الله أن ينفع بهذا البحث كاتبه وقارئه والناظر فيه، وما كان فيه من الصواب فمن الله وحده، وما كان فيه من الخطأ والزلل فذلك مبلغ علمي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقدمة تحقيق محمد حسن هيتو لكتاب "التمهيد" للإسنوي- وكلام الدهلوي عن التخريج في كتابه "حجة الله البالغة".