التدوين عادةً لا يدفع إليه إلا الحاجة؛ إذ لا يُدوِّن الإنسان ما يمارسه ببديهته، وإنما يُدوّن ما يخشى فواته أو ما يصعب عليه امتلاكه.
ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة بروز الأعاجم في تدوين المعاجم العربية، وهي وجهة نظر قائمة على التحليل الاجتماعي واللغوي لبيئة الصدر الأول.
ويمكن تركيز هذه الرؤية في ثلاثة محاور رئيسة:
أولاها: عفوية السليقة العربية: فقد كان العربي الأول يتكلم العربية بالفطرة والبداهة دون تكلّف، فلم يجد في نفسه دافعاً أو مستهدفاً يدعوه إلى تقنين لغته أو حصر مفرداتها؛ فاللغة تجري على لسانه كما قال الشاعر:
ولست بنحْويٍّ يلوك لسانه *** ولكن سليقيٌّ إذا قلت أُعرب
ثانيها: المخزن اللغوي للأعاجم: وفي الجهة المقابلة كان الأعاجم والأجانب يتعرفون على اللغة يوماً بعد يوم، فاحتاجوا إلى مخزن مرجعي ثابت ومنظم يصدرون عنه ويأخذون منه؛ ليضبطوا به لسانهم ويفهموا به البيان العربي.
ثالثها: الباعث على جمع الأشتات: قيام الحاجة الماسة لدى غير العربي التي حرّكت جهودهم لجمع أشتات اللغة، وتقييد شواردها، وذكر غرائبها، وحفظ أسرارها، وهو ما جعل التدوين المعجمي في الأعم الأغلب صناعة برع فيها الأعاجم.
وعلى ما تقدم يتضح أن نشأة المعاجم مرّت بمراحل تكاملية؛ فبينما كان العربي مستغنياً بسليقته؛ لتخلّف دافع التدوين عنده، برز علماء العرب الخلّص بالدرجة الأولى (كالفراهيدي، وأبي عمرو، والأصمعي، وأبي عبيدة) لجمع أشتات اللغة وغرائبها لحمايتها من الفساد واللحن بدافع ديني، ومن ثمّ قاد الاحتياج المعرفي للأعاجم إلى هندسة الفكر المعجمي وتدوينه لحفظ هذا الموروث اللغوي العظيم.