العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

حكم صيام النصف الأخير من شعبان.

انضم
31 مايو 2024
المشاركات
35
الإقامة
الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أيمن
التخصص
أصول الفقه - فقه
الدولة
الجزائر
المدينة
الجزائر العاصمة
-الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذا بحث مختصر لطيف يحوي كلاما حول مسألة مهمة حصل فيها الخلاف بين الأئمة العلماء، وهي مسألة "صيام النصف الأخير من شعبان"، رأيت كتابته بغية نشره، وليستفيد منه من شاء الله أن يستفيد، والله وحده أسأل الإعانة والتسديد.
وسأقتصر في هذا البحث على ذكر الخلاف مع الأدلة، وربما أشير إلى سبب الخلاف، ثم أذكر الرأي المختار وما رجحه الأئمة، كل هذا على وجه الإيجاز، فأقول:
-اختلف العلماء في حكم صيام النصف الأخير من شعبان على قولين مشهورين:
-الأول: أنه جائز، وبه قال الجمهور(1)، واستدلوا بالأحاديث الدالة على أن رسول اللهِﷺ كان يصوم شهر شعبان(2)، كما استدل لهم بمفهوم حديث أبي هريرة مرفوعا: [ لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه] أخرجاه(3)، فإن مفهومه أنه يجوز بأكثر من يومين.
-القول الثاني: أنه منهي عنه، وبه قال الشافعية(4)، والدليل حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللهِﷺ قال: [ إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان ]، رواه أبوداود والترمذي وغيرهما.(5)، وله ألفاظ أخرى.
-ولعل السبب في اختلافهم راجع إلى أمرين:
-الأول: تعارض الأحاديث في المسألة، حيث إن أدلة الجمهور دلت على جواز صيام النصف الأخير من شعبان باستثناء يوم أو يومين كما في حديث أبي هريرة، بينما دليل الشافعية صريح في النهي عن ذلك.
-الأمر الثاني: اختلافهم في صحة حديث العلاء.
-أقول: أما حديث العلاء فقد صححه جماعة من أهل العلم، كالترمذي وابن حبان، وسكت عنه أبو داود، وصححه أيضا ابن عساكر والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وابن حزم وابن العربي، وقواه ابن القيم، وصححه أيضا السخاوي وأحمد شاكر والألباني وابن باز(6).
وذهب آخرون إلى أنه ضعيف، بل نص الإمام أحمد ومن قبله ابن معين على أنه منكر، وأنكره أيضا ابن مهدي، وضعفه أبو زرعة الرازي وآخرون(7).
فمن صحح الحديث قال به، وذهب إلى النهي عن صيام النصف الأخير من شعبان.
ومن ضعفه لم يقل به، وذهب إلى ما دلت عليه الأحاديث الدالة على صيام شعبان، ومنه النصف الأخير.
- والكلام هنا يطول، لكن الذي اطمأن إليه القلب هو ثبوت الحديث وصحته، وما أعل به قد أجيب عنه بأن "كون العلاء بن عبد الرحمن تفرد به لا يجعله قادحا في صحته، فإنه حديث على شرط مسلم، وتفرده به تفرد ثقة بحديث مستقل، وله عدة نظائر في الصحيح"(8).
-وبناء على هذا نقول: إن حديث العلاء يدل على النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، وقد عارضته الأحاديث في صيام شعبان، وكذلك مفهوم حديث (لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين).
أما هذا فقد استدل به على جواز صيام النصف الأخير من شعبان بطريق المفهوم (أي مفهوم المخالفة)، لكنه عورض بحديث النهي وهو منطوق، والمقرر أصوليا أن دلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم ومقدمة عليه حال التعارض.
-أما أحاديث صيام شعبان فإن الجمع بينها وبين حديث النهي ممكن، وهو أولى من المصير إلى الترجيح، إذ (الجمع واجب مهما أمكن)، و(الإعمال أولى من الإهمال)، فطريقة الجمع "أن تحمل أحاديث صيام شعبان ﻋﻠﻰ ﺻﻮﻡ ﻧﺼﻔﻪ ﻣﻊ ﻣﺎ ﻗﺒﻠﻪ ﻭﻋﻠﻰ اﻟﺼﻮﻡ اﻟﻤﻌﺘﺎﺩ ﻓﻲ اﻟﻨﺼﻒ اﻟﺜﺎﻧﻲ، ويحمل ﺣﺪﻳﺚ اﻟﻌﻼء ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻨﻊ ﻣﻦ ﺗﻌﻤﺪ اﻟﺼﻮﻡ ﺑﻌﺪ اﻟﻨﺼﻒ ﻻ ﻟﻌﺎﺩﺓ ﻭﻻ ﻣﻀﺎﻓﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻗﺒﻠﻪ"(9)، ولهذا قال الإمام الترمذي: "ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻨﺪ ﺑﻌﺾ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ: ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ اﻟﺮﺟﻞ ﻣﻔﻄﺮا، ﻓﺈﺫا ﺑﻘﻲ ﻣﻦ ﺷﻌﺒﺎﻥ ﺷﻲء ﺃﺧﺬ ﻓﻲ اﻟﺼﻮﻡ ﻟﺤﺎﻝ ﺷﻬﺮ ﺭﻣﻀﺎﻥ"(10)
وهذا أولى من حملهما على التعارض، والله أعلم.
▪فحاصل الكلام: أنه لا يجوز صيام النصف الثاني من شعبان تطوعا إلا في حق من صام قبله أو كان له أيام يصومها، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو أيمن أمين الجزائري -كان الله له-.
____________________
1)- أنظر: فتح الباري(١٢٩/٤)، عمدةالقاري(٢٧٣/١٠).
2)- أنظر: الموطأ(٣٠٩/١)، صحيح البخاري(١٩٧٠)، صحيح مسلم (١١٥٦)، سنن أبي داود(٢٤٣١)(٢٤٣٤).
3)- رواه البخاري(١٩١٤)، ومسلم(١٠٨٢)، وغيرهما.
4)- أنظر: المجموع(٤٠٠/٦)، أسنى المطالب(٤١٩/١)، الإعلام (١٦٠/٥)، عمدة القاري(٢٧٣/١٠).
5)- رواه أبو داود(٢٣٣٧)، والترمذي(٧٣٨)، وأحمد (٩٧٠٧)، وابن ماجة(١٦٥١)،والنسائي(٢٥٤/٣)، وابن حبان(٣٥٨٩)،والبيهقي(٢٠٩/٤) وغيرهم من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وذكر الحديث.
6)- أنظر: سنن الترمذي(١٠٦/٣)، صحيح ابن حبان (٣٥٨٩)، المدخل للحاكم(ص٣٩)، المحلى(٤٤٨/٤)، عمدة القاري(٨٥/١١)، تهذيب السنن(٣٣٠/٦)،المقاصد الحسنة(٥٦)، تعليق أحمد شاكر على سنن الترمذي(١٠٦/٣)، صحيح أبي داود(١٠١/٧-الأم)، فتاوى الإمام ابن باز(٢١٩/٢٥)، منحة العلام(١٠٧/٥).
7)- سنن أبي داود(٣٠١/٢)،السنن الكبرى(٢٠٩/٤)، فتح الباري (١٢٩/٤)، لطائف المعارف(ص١٥٩).
8)- تهذيب السنن(٣٣٠/٦).
9- أنظر: المغني(١٠٦/٣)، تهذيب السنن(٣٣١/٦).
10)- سنن الترمذي(١٠٦/٣) ت:أحمد شاكر.
 
أعلى